شمس الدين السخاوي

155

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

والحاصل أنه - سبحانه - بيّن أن الإنسان إذا أصابه خير لتَوسِعَةِ الرزق مَنَعَ ، وإذا أصابه شرٌّ لضيقِ الرزق جزَعَ ، إلا القائمين بالواجبات ؛ فإنهم يُبتلون بالخير فلا يمنعون ، بل يُعطُون غيرَهم ويحسنون لمن دونهم ، ويُبتلون بالشرِّ فلا يَجزعون بل يصبرون ، فهم يتواصَوْن بالصبر ويتواصَوْن بالمرحمة ، إذا قدَروا رحموا اليتيم والمسكين والضعيف ، وإن أُصيبوا صبروا على فرائض الله وأمره ، { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الأعراف : 168 ] ؛ أي : امتحناهم بالنعم وبالمصائب ( 1 ) . والفاجرُ إن أُصيب جَزَع ، وإن قَدَر ظلم ، فهذا التفصيل ونحوه هو الصواب ، دون إطلاق الجواب على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا - أيضاً - ، وذلك بأن يقال : لا يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنسٍ وجود مالٍ مدّخر ، بل لعلها مالٌ يتجدّدُ له في كلِّ يوم من ربحٍ وغيرِه ، وهو ينفده أولاً فأولاً ، بخلاف التي دعا بها لغيره نفياً وإثباتاً . ثم رأيت في « مسند أحمد » ما يؤيد هذا ، قال أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حُميد ، عن أنس قال : دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سُلَيمٍ فأتته بتمرٍ وسمنٍ ، فذكر الحديث . وفيه قول أم سليم له : خادمُك أنس ادعُ له ، وفيه أنه ما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا له به . وقال : « اللهم ارزقه مالاً وولداً ، وبارِك له فيه » ( 2 ) ، قال أنس : فما من الأنصار إنسانٌ أكثرُ مالاً مني ، وذكر أنسٌ أنه لا يملك ذهباً ولا فضةً غير خاتمه . وهذه الفائدة رحلة ، وحينئذٍ فلا ينافي ما ورد من دعواته - صلى الله عليه وسلم - المتفق عليها وهي : « اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً » ( 3 ) .

--> ( 1 ) انظر : « تفسير الطبري » ( 23 / 264 - ط . هجر ) ، « الوجيز » ( 2 / 1133 ) ، « المحرر الوجيز » ( 15 / 96 ) ، « اللباب » ( 19 / 365 ) . ( 2 ) سبق تخريجه ( ص 146 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 13 / 240 ) ، ووكيع في « الزهد » ( 119 ) ، وأحمد ( 2 / 232 ، 446 ، =